خلال الحفل الموسيقي المئة لديوان "اعادة اكتشاف أساطير كوغوريو"، الذي جرى على مسرح الاوبرا في دمشق، سورية في 28 ايار (مايو) 2007، تلوتُ رسالة أول ملك على مملكة كوغوريو، الملك تومي. شعرت وكأن صاعقة ضربتني فعادت روحه الى الحياة مجدداً في داخلي. وتغيرت حياتي التي توحدت مع حياته.

ومن ثم أكملنا جولتنا الموسيقية في الخارج، في مدينة تورنوفو في بلغاريا ومدينة غيورغو في رومانيا ومدينة أوهريد وبيتولا في ماسيدونيا ومدينة جرش في الاردن، فأحيينا ستّ حفلات موسيقية بحلول نهاية الصيف. وفي 11 ايلول (سبتمبر)، قدمنا حفلاً آخر في مدينة بيكين في الصين وكان الحفل الموسيقي الـ106 لديوان "اعادة اكتشاف اساطير كوغوريو".



وتقدم في مدينة تورنوفو نحوي رجل شاب ليقدم لي التحية، بعينيه الزرقاوين اللتين تعكسان شعاع القمر الجميل وأخبرني أن الحفل الموسيقي لا يُنسى، فقد تأثر كثيراً الى حدّ انه شعر بأن روحه قد تحركت بكاملها. وفي مدينة جيورجيو، بعد أن انتهى الحفل، تجمّع حولي عدد من الاولاد طالبين توقيعي ومقدمين لي التحية. لم يسمحوا لي أن أترك المسرح عندما أعلمتني المترجمة التي ظهرت على وجهها ابتسامات اعتذار من قبلهم، بأن الحفل الموسيقي أعجبهم كثيراً الى حدّ أنهم يرغبون في أن يمضوا معي اكثر وقت ممكن.



وقدمت حفل "اعادة اكتشاف اساطير كوغوريو"، الى جمهور دولي لأول مرة في مدينة صور في لبنان في 26 آب (اغسطس) 2005. و خلال هذا الحفل الموسيقي، تأثر الجمهور كثيراً فيما أصبح الحفل أكثر حيوية حتى النهاية، الى حدّ أن عدداً كبيراً منهم راح يذرف الدموع وصفق لي بحماسة. وترددت عبارات "أحسنت"، و"مرة ثانية" في كل مكان. حتى أنني ارتبكت للحظة بسبب ما كان يحصل فيما كنت أتلو قصيدتين حول مدينة صور والفينيق. وبفضل هذه التجربة الرائعة، بدأت أؤدي باللغة اليابانية إذ أدركت أن روح الانسان تتجاوز اختلافات اللغات.



و خلال تلاوة القصيدة، كنت أخبر ما حصل في حياتي. في كل يوم من طفولتي، كان والدي يخبرني قصصاً حول مملكة "كوغوريو" وقال لي إنه يجب أن أحيا حياة مخلصة لروح ملوك " كوغوريو" فهم أجدادي المباشرين. لكن صعب عليّ أن أفهم الرابط ما بين قصته وما بين حياتي الحالية. ورحت أعاني بسبب هذا اللّغط وقد أضرّ ذلك بي معنوياً وجسدياً، وقد حكم علي طبيبي بالموت في سنّ الرابعة والعشرين.



والتقيت في هذه الفترة الصعبة من حياتي بالفنان إيداكي شين، الذي أطلعني من خلال عزفه الفريد على البيانو، على تاريخ " كوغوريو" الكامل الذي نُقش في حياتي وأثّر بي تأثيراً كبيراً. وفيما أدركت ماهية التأثيرات التاريخية التي ورثتها، رحت أشفى من الهاوية المعنوية. فأدركت أن التاريخ في الماضي موجود في حياة المرء الى أن يقرّ به. وعندما يتمّ التعبير عنه بصراحة كما في حالة صوت البيانو الذي بعثه السيد ايداكي شين، يتحول اكبر حزن في الماضي الى طاقة حيوية تمتزج مع حياة المرء. الآن وقد تمّ اكتشاف الحقيقة في داخل حياتي، تبين لي الطريق نحو المستقبل. لقد أُنقذت حياتي وأدركت نوعاً جديداً من الحياة يتناسب مع طبيعتي.



في العام 1998، زرت أماكن تاريخية خاصة بمملكة "كوغوريو" في الصين لأول مرة في حياتي. وفي شهر أيار (مايو)، كانت الاشجار تحتفل بخضرة اوراقها النضرة وبالحياة الجديدة. امضيت 18 ساعة في القطار متجهة نحو مدينة "جيان"، أرض مملكة "كوغوريو"، المعروفة بالمدينة الجبلية "واندو كوكوناي" وبقبر الجنرال الكبير وبعمود الملك كوتاي وبعدد من المعالم التاريخية.





وفي نهاية هذه الرحلة، إنتقلنا الى جبل "كوجو"، مقرّ مملكة "كوغوريو" الاصلي، حيث اختبرتُ نقطة تحوّل اخرى في حياتي.



وبحسب الرواية القديمة، تفوّق اول ملك على "كوغوريو" في طفولته، الملك "تومي" على كلّ الامراء على الصعد كافة. فحسده الجميع على موهبته غير الاعتيادية. وزعم البعض أنه ليس انساناً عادياً. فيما خطط البعض لقتله. وبغية انقاذ حياته، قررت الوالدة الملكة "رويكا" أن تسمح له بمغادرة المملكة سرّاً وبأن يعيش في ارض بعيدة غير معروفة. وعرف الجميع أنه كان وداعاً ابدياً وأنهم لن يروا بعضهم البعض مجدداً.



عندما زرت جبل "كوجو"، صُدمت بظلم الملك تومي الذي دام حوالي 2000 سنة. ولم أستطع إلا أن أبكي حتى تفهمت أن ظلمه كان القوة المحركة لبناء المملكة المثالية الخاصة به في جبل "كوجو"، وعندما تحول ظلمه الى حبّ الآخرين توقف عن البكاء. وكرّس حياته بالكامل لجعل من حوله يعيشون بفرح. ومن ثم وجدت نفسي مصممة على تكريس نفسي بالكامل للانفتاح على المجتمع المستقبلي والمساهمة في حياة الناس في جميع انحاء العالم.



في شهر حزيران (يونيو)، زرتُ مدينة "بيونغ يونغ" وجبل "بيكتو" في كوريا الشمالية. ومدينة "بيونغ يونغ" هي آخر عاصمة لمملكة "كوغوريو" وقد أُعجبتُ بإرثها الثقافي المميز الذي تمّت المحافظة عليه وهو مفتوح للزوار. شعرتُ بالفخر لأنني أتحدّر مباشرة من العائلة الملكية. ويعتبر جبل "بيكتو" مع البحيرة الجميلة المشهورة "تينشي" على رأسه، المكان الاسطوري للبطل "تان غان". وبدا وكأنها تخبرني بأن الجمال هو مصدر الروحانية البشرية. وأدركتُ في لبّ حياتي أن الحبّ وحده قد يولّد الجمال الخالد.



   


وبعد فترة من عودتي الى اليابان، فقدتُ والدي ووالدتي في الوقت نفسه. وفي امل لاستعادة حيويتي، زرتُ جبل "كوجو" مجدداً. استقبلني نائب رئيس مدينة "هوانرين". إلا أنه لم يسمح لي أن أصعد نحو  الجبل. فلم يكن أمامي خيار سوى العودة الى اليابان محبطة. فأقسمت لنفسي بأنني لن أعود مجدداً في المستقبل القريب، فلم أحظى بفرصة الذهاب الى هناك الا بعد تسع سنوات. وفي هذا الوقت، أسست منظمة لا تتوخى الربح تدعى "أن بي أو كوما" تحقيقاً لارادة والدي الاخيرة. فطلب مني أن أستثمر كل ثروته المتبقية لأبلور روح "كوغوريو" وللتوصل الى إرساء الجنة على الارض. وكنت بحاجة كبيرة الى استعادة هويتي بعد الحدث المحزن في حياتي، وكان المضي قدما السبيل الوحيد لي للعيش. و خلال هذه الفترة، أنشأت برنامج "اعادة اكتشاف اساطير كوغوريو". وتكوّن المشروع من كتاب يحتوي على صور ومن قرص فيديو رقمي وحفل موسيقي متعدّد الاوساط. ولهذه الغاية، بدأت أزور مناطق عديدة في العالم، أقتفي أثر جذور "كوغوريو". وطلب مني السيد إيداكي شين أن أزور لبنان، مصدر الحضارة الفينيقية. وبحسب الابحاث التي أجراها، فقد يكون الفينيقيون القدامى أثّروا في "كوغوريو". وفي الواقع، عندما وقفت في الموقع التاريخي في صور، الذي يعود الى 9000 سنة رأيت والدي بين أرواح الاشخاص الفينيقيين المتعددين. ومن ثم قال لي إن روح الانسان يجب أن تحيا دائماً على أساس الجمال وأن تكون خالدة. وبفضل هذه التجربة الرائعة، تمكنت من أن أشفى. وبما أنني ممثلة منظمة "أن بي أو كوما"، أطلقت مشروعاً تابعاً للمنظمة غير الحكومية لدعم المنطقة الجافة في أثيوبيا. وبعدها عرفت أن أثيوبيا هي المكان الاصلي للجنس البشري. ولذلك قررت أن أكرّس الجزء الاخير من ديوان "اعادة اكتشاف أساطير "كوغوريو"، لمشهد التنقيب عن مكان "لوسي"، أقدم هيكل عظمي بشري كامل اكتشف على

الارض.



         
         

 

الموقع بلغات أخرى: ياباني   انكليزي   اسباني   فرنسي      / اتصل بنا

                                                        © 2009 - Keikokoma All rights reserved                                                       by Banners Group