مطر فوق بيروت

عندما وصلنا الى بيروت رَحَّبَ بنا وأسعَدَنا قوس قزح الذي إنداح في سمائها. شعرتُ بأن الطبيعة كانت على معرفة ودراية بمراحل العالم الثلاث ما قبل الإنفجار الكبير: Le monde de trois étapes avant la grande explosion… . وبالرغم من هطول المطر كان في استقبالنا على المطار كل من البروفسور "غازي" والسيد "نعمة" وبصحبتهما مدير الشؤون المسرحية والسينمائية في وزارة الثقافة اللبنانية. وهكذا من جديد تلاقينا مع الأصدقاء وجدّدنا علاقتنا الأهلية. ولقد كان سائق السيارة التي أقلَّنا من المطار قبل ثلاث سنوات الى "صور" عندما زرنا لبنان لأوّل مرّة، هو نفسه من قادَ بنا هذه المرّة أيضاً!!
بعد الظهر، توقّف المطر وظهرت غيوم متّشحة باللون الأزرق الفاتح. وتصوَّرتُ بأن الناس يجب أن يكونوا مسرورين وسعداء بمجرّد أنّهم يعيشون ببلد له هذه الطبيعة الغنيّة.
وشعرتُ بالألم جرّاء المشاكل والصراعات التي مرّت وتمرّ في قلب هذا البلد الجميل، وسألتُ نفسي عن الدافع والرابط الخفي الذي يقودني ويسير بي الى المجيء باستمرار الى لبنان.
لقد استبقتُ الحَدَث بعدة أمور أثناء إقامتنا هذه المرّة!

يوم جديد

إستيقظتُ في اليوم الأول على صوت الضجيج الكبير الآتي من الشارع العام، وكان هذا الصوت مألوفاً وأليفاً لديّ.
كان البحر أزرقاً صافياً، وقد أطلقتُ عليه صفة "الأزرق الفينيقي"، إلاّ أن بعض الأمور بَدَتْ لي مختلفة فأرجعتها الى واقع الاحوال المتوترة في المدينة. مَنَعنا السيد "إيداكي شين" من الخروج من الفندق وحيدين. ولكن مجرّد أن أكون في لبنان، فهذا بحدّ ذاته يغريني! فهنا يوجد قلب الحضارة الفينيقية. لذلك قلتُ في نفسي: كوني عاقلة وحكيمة وركّزي طاقتكِ على مهمّتكِ النبيلة في نشر السلام الكلّي العام.
بدأ السيد "إيداكي شين" يتجاوب ويُجيب على الحالات السلبية الداخلية التي يعيشها الناس، وبدأ يجابهها.
بعد ذلك أعطاني البروفسور "غازي" الكتاب الذي أشرف على طباعته لأشعاري بعد ترجمتها الى اللغة العربيّة.
كانت صورتي الشخصيّة على غلاف الكتاب وأنا أمام ضريح الملك "كوتاي" في "جيان"، والتي أخذها لي السيد "إيداكي شين". وكانت الصورة الثانية داخل الكتاب وَظَهَرْتُ فيها وأنا تحت قوس في مدينة "صور". الصورتان أحاطتا تهاويل كائن مثالي وَدَدتُ وسعيتُ أن أكونَه.
إحتوى الكتاب على صُوَر عدة منها "قمة جبل كوجو" عند نصب الملك "كوتاي" ونهر "آمنو كوانغ" وصورة قوس في سوريا وبحيرة سماوية زرقاء.
كان الخط الرّائع لألفباء اللغة العربية التي طُبِعَ بها ديوان الشعر متناغماً مع حجم وشكل الصُوَر ومع الألوان. ولقد أسعدني جداً هذا الإنجاز، ممّا دعا السيد "إيداكي شين" أن يقول لي مبتسماً، بأنني سأكون من أسعد الناس في العالم!
جلسنا في ذلك اليوم في مقهى "السيتي كافيه" القريب من منزل البروفسور "غازي"، وهو مقهى يرتاده الأدباء وأهل الفن، وبنفس الوقت فإنه من وقت آخر يعرض لوحات فنّية لبعض الفنانين اللبنانيين والعرب وغيرهم. كان يعرض هذه المرّة لفنّان عراقي. استشرتُ البروفسور "غازي" مبديةً رغبتي العميقة بتنظيم وإقامة أكبر عدد من الحفلات الموسيقية للسيد "إيداكي شين"، وذلك للمساهمة والمشاركة في تقاسم التجارب في المسيرة نحو العالم الجديد ومستقبل الانسانية الذي يعمَّه السلام.
بعد ذلك شرح لنا "غازي" وبيَّنَ لنا الى أي درجة رهيبة ومخيفة كانت قد وَصَلَت المنطقة بأكملها، وكيف هي الآن موجودة في قلب الصراعات وتتعرَّض للإعتداءات المتواصلة، وهذا يدعونا الى الانتباه الى كل ما يجب أن نقوم به مستقبلاً. ثم سأل السيد "إيداكي شين" البروفسور "غازي" إذا كان قد لاحَظَ تغيّراً ما لديّ في هذه الرحلة. فقال السيد "غازي" إنني أجد السيدة "كيكو" قويّة وشديدة المقاومة أكثر من السابق.

في الحقيقة، فقد كنتُ وقتذاك أعاني من ارتفاع في ضغط الدم وكان ضغطي متقلِّباً، وحملتُ معي على الدوام آلة لقياسه باستمرار. ثم شَرَحَ السيد "إيداكي شين" للسيد "غازي" بأن أجدادي القدماء كالملوك: تومي وكوتاي وغيرهم لم يستطيعوا العيش طويلاً وقضوا وهم في عمر الشباب، وأن حياتي اليوم مرتبطة بأرواحهم، ولهذا كان لزاماً عليَّ شخصياً أن أسترجع برنامج حياتهم القصيرة، ومع السيد "إيداكي شين" استطعنا أن نغيِّر المسار نحو المصير وأن نبدِّد أيّ سببٍ سلبي يعترض حياتنا. وأعتقد بأنه يجب على أي انسان على هذه الارض أن لا يترك هذه الفرصة الخاصة في أن يكون شخصاً معاصراً مع "إيداكي شين".

في الحفل الموسيقي الذي أدّاه السيد "إيداكي شين" اليوم في بيروت عبَّرَ بسحرٍ ودهشة عن أرواح الكائنات الخفيّة للبنان والتي غالباً ما تتمثّل بأشجار الارز الضخمة المعمِّرة. كنتُ على يقين بأن موسيقاه ستؤثر بكل الناس، فالعديد من الجمهور كانوا قد جاؤوا لتحيتي بعد الحفل، لأنهم كانوا متأثِّرين جداً بأشعاري التي كان موضوعها لبنان. وبالرغم من بعض الأمور غير المريحة التي حَدَثَت أثناء تواجدنا وإقامتنا، استطعنا تقاسم نفس الشعور والأحاسيس والشكاوى وهواجس المستقبل مع الجمهور وخصوصاً عندما قرأتُ القصيدة الأخيرة عن مدينة "صور" بوصفها البيت المجيد لروحي.
لقد قررتُ إكمال رسالتي وتحت وطأة شتّى الظروف، وسجَّلت مراد روحي لأرى بأنني لم أَحِد أو أتراجع عن رغبتي في أن أُعبِّد الطريق نحو السلام الكلي العام. في ذلك الوقت داهمني الشعور بالخوف من فكرة الموت. هذا الاحساس الذي كان قد انتابني مرات عدة وغزا روحي منذ الطفولة. وكان يبدو ويظهر بأن له جذوراً تاريخية تعود الى أجدادي القدماء، بحيث جرَّبت أن أطبق وأحوطُ بنفسي على العالم الجديد المعبَّر عنه موسيقياً بواسطة السيد "إيداكي شين". بعد هذا وجدتُ نفسي في فضاء جديد، مما سمح لي أن أحيا وأتابع المسيرة، فالعالم هو هناك في السماء وفي هذا المدى نستطيع بناء مجتمع هادئ.
عندما نهضتُ في اليوم التالي، كانت السماء زرقاء ساحرة، وكانت تبدو مكتملة القدرات التي تتوحَّد وتلتقي بالنور الحقيقي للحياة، ففوق السماء الواسعة يوجد العالم الأبدي المفتوح أمامنا على مداه. وبالرغم من المصاعب المؤكَّدة، فإنّ ذاك العالم الجديد هو بين أيدينا، وأنَّه سهل المنال.

حلم لبنان

اليوم علَّقت لوحاتي في صالة "الأونيسكو" الكبيرة ببيروت. لقد كنتُ معجبة ومكتفية بالمساحة الرائعة للقاعة. اختار السيد "إيداكي شين" إحدى لوحاتي وأطلق عليها عنوان "حكمة الملك تومي".
بثَّ المعرض روحاً مملوءة بالحيوية والسعادة، وأحسستُ قلب لبنان وكأنه مصدر الوجود.
خطّط السيد "إيداكي شين" بالقلم الخاص اسم "كوما" بالأحرف اليابانية، ووضعها أمام اللوحة. بعد ذلك تابع، فكتب كلمة: نهر آمنوكوانغ- حلم على قمة جبل كوجو – وطلب من السيد "غازي" ترجمة عنوان إحدى اللوحات وكانت بعنوان "حلم لبنان".
لقد عبَّرت كل حملة مخطوطة عن هدف وحيد هو تحقيق السلام العالمي، وقرّرنا أن نضع بجانب اللوحة التي تتصدَّر القاعة مع كلمة "كوما" جملة "حلم لبنان". كان كلّ شيء جميلاً ومتوازناً في تلك القاعة، وكانت نسيمات عَطِرة مملوءة بنور الأمل الجديد تجول وتمور بهذا المكان.
الآن لديّ توأم الخط لكلمة "كوما": واحدة في مركز Centre de la Fusée والثانية هنا في بيروت.
في ذلك النهار وعند الانتهاء من توضيب المعرض ذهبتُ الى شارع الحمراء ببيروت لأشتري إطارات لِصُوَر كان قد التقطها السيد "إيداكي شين". لقد سعدتُ بما شاهدت في الشارع، وتذكّرتُ زيارتي الأولى الى لبنان، كان ذلك بعد وفاة والدَي تقريباً، وجهدتُ وقتذاك لاستعادة هويتي باحثةً عن أصل أجدادي.
اقترح عليّ حينذاك السيد "إيداكي شين" الذهاب الى لبنان بصفة أن هذا البلد هو مركز الحضارة الفينيقية، وقد قام قديماً صلات وعلاقات بمملكة "كوغوريو".
وفي أحد المواقع التاريخية لمدينة "صور"، وجدتُ روح أبي التي علَّمتني وَهَدَتْني الى الطبيعة الأبدية للحياة الانسانية، فهناك استطعتُ استرجاع واستعادة نفسي. ثمان سنوات مرَّت، فكم أنا مدينة ومُمْتنَّة لمسرى حياتي بأنني أنجزتُ العديد من أحلامي، والكلّ ساعدني وقادني كي أعبِّد الطريق نحو السلام العام.

عالم وحياة

اليوم هو الثاني من بدء حفلاتنا في لبنان.
يبدو هذه المرة بأن المدى الأزرق للبحر والسماء ينتظران حفلنا الشعري الموسيقي، حيث هناك العديد من اللقاءات بين النور وبين الحياة.
أمواج البحر تتناغم بهدوء مع إيقاع حفلنا هذا المساء، والنجوم والقمر ينيرون كل الفضاء وأقول باستغراب: لماذا التقاتل ونحن نعيش على نفس الكوكب؟
أشعر بأن شيئاً ما في الخفاء يجب أن يهدينا ويصلح أمورنا، فكل الناس يدركون بأن العالم الآخر الأبعد من السماء هو ملاذنا الأخير.
ومباشرة قبل الحفلة التقط لي السيد "إيداكي شين" صورة ثم قدَّمها لي. وحين نظرتُ اليها خُيِّل إليّ أنها لشخص آخر وليست لي، وكدتُ أقول بأن الأمر يتعلّق بواحدة من خارج هذا الكوكب! وتابع قائلاً: علينا أن نحترم بجلال كل الأرواح المقدّسة للبنان. هنا قلت لنفسي إن "عالم المراحل الثلاث قبل الانفجار الكبير" كان مسكني الأبدي ولقد تناغمت وتواءمت مع عدم اكتراثه تجاه الأحداث الخارجية. أثناء قراءتي في الحفلة لآخر قصائدي وهي مهداة الى مدينة "صور" يوصفها ملاذي الأبدي لم أتمالَك نفسي فأجهشت في البكاء، وضجَّت القاعة بتصفيق هادر.
لقد أحسستُ بحرارة الناس وأنا أتقاسم معهم نبض القلب.
عندما ألقى السيد "نعمة بدوي" كلمة النهاية، لم يتمالك هو أيضاً نفسه عن ذرف الدموع وأكملها بصعوبة مما جعل السيد "إيداكي شين" ان يربِّتَ على كتفه!

وهكذا كان مُعبَّراً هذه الليلة عن "عالم المراحل الثلاث قبل الانفجار الأخير"، وكانت تلك الأمسية كجدول ماء نقي يضجّ ويزخر بالحياة ويغسل كل المؤثّرات السلبية المعشِّشة في نفوس الناس ومن حولهم.
كان صوت البيانو الصادر عن عزف السيد "إيداكي شين" مشعّ ولا تشوبه العتمة، فقد عانق وحضن حزن الناس وتناغم مع نبض قلوبهم الطيّبة الحيّة وأولد الطاقة الجديدة التي تفتح المستقبل الرائع.
قلتُ بعد الأمسية بأنني سأصبح مواطنة في كوكب آخر! وفي الطريق الى مكان الحفل، بدأتُ أتألّم، وذلك بفعل قوى سلبية اعترضت حياتي ومنذ ما قبل الحفل.
هكذا وجدتُ نفسي في وسط الزحام، بحيث أن السيد "إيداكي شين" وعندما إستقبلني عند مدخل الصالة شعرتُ بتحسّن واضح وأُزيح عنّي الألم!
تذكرتُ كم من مرّة كان قد خلَّص حياتي، ذلك أنني ولدتُ بتركيبة خاصة، وهذا يعني استحالة عيشي في هذا المجتمع.
ان العالم الحالي هو منتج الصعاب والآلام، وأنا وجدتُ "عالم المراحل الثلاث قبل الانفجار الكبير" الذي سيسمح لي بأن أكمل العيش الى الأبد. وإنه لمستغرب بالنسبة لي، أنني استطعتُ آنفاً النوم عميقاً، وذلك عندما بدأتُ الحياة الجديدة في "عالم المراحل الثلاث قبل الانفجار الكبير".

البحر المشعّ

أمس، كان لنا لقاء مع وزير الثقافة اللبناني الاستاذ "تمام سلام".
سرَّ الوزير كثيراً بديوان شعري مترجماً الى اللغة العربية، حين قدمته له مع حاضنة غلاف قماشية خاصة من شغلي اليدوي.
قبل ذهابنا الى اللقاء، بدأ السيد "نعمة" يشعر ببعض آلام "الظهر" وطَلَبَ المساعدة من السيد "إيداكي شين". وسرعان ما ركّز السيد "إيداكي" تفكيره على حالته الجسدية واستوعب وامتصَّ بمعاناة كل التأثيرات السلبية الخارجة من جسد السيد "نعمة"! وما عتَّمَ بعد قليل أن زال الألم!
تكلَّمت حينذاك عن مقدرة ومزايا السيد "إيداكي" وكيف أنه يتخطّى بقوته وتركيزه الداخليين أي حدود للحياة البشرية، وإنني أعترف بأنه يجب أن يبسط تأثيره الفعّال على العالم!
إن ما يستطيع السيد "إيداكي" أن يقوم به، هو صعب وشاق للغاية على الفهم أو على التخيُّل بواسطة الكلام والشرح. لقد كنت مستنفرة ومتحفّزة أن أقيم أكبر عدد ممكن من الحفلات للسيد "إيداكي شين" ليُتاح للناس في كل مكان فهم حقيقة ما يجري راغبةً ومتمنّيةً من كل قلبي أن يأتي الناس وبعدد كبير الى حفلنا في ذلك المساء.
بعد الحفل أتى العديد من المشاهدين – المستمعين الى جواري يسألون كيف استطعتُ تخطِّي مختلف الحالات الصعبة وتجاوز كل ما مرَّ بي في حياتي. أعلمتهم أن مواضيع وتعاليم ودروس السيد "إيداكي" هي الأساس، فذهبوا إليه يسألونه عن كيفية حصولهم على هذه الدروس وعن إمكانية حضورهم لها.
لقد تألّمتُ كثيراً، لأن تلك الدروس لا تُعطي إلاّ في مكانها أي في اليابان!
عند الظهر كان موعدنا مع الرئيس "برّي" رئيس مجلس النواب اللبناني. وكنتُ منذ الصباح مستعدّة ومهيّأة لهذا اللقاء بعد حواجز أمنية عدة ومراقبة شديدة في التفتيش، وصلنا الى مكتب الرئيس.
فعلياً كان تشريفاً عظيماً لي ان يردّ الرئيس على قصيدتي التي أهديتها الى مدينة "صور" إبان العدوان الاسرائيلي على قلب المدينة في تموز 2006. ولقد كانت قصيدتي هذه وجواب الرئيس "برّي" عليها موجودتين في ديواني الشعري المطبوع باللغة العربية.
أهديت الرئيس "برّي" أيضاً حاضنة قماشية خاصة بغلاف الديوان، ثم أهديته أحد أعمالي الفنّية، وشرحتُ له بأنني كنتُ قد بدأتُ رسم أعمال فنّية تكشف الضوء الداخلي للحياة، راغبةً من ذلك أن يكون هذا النور الصافي حامياً للعالم من مآسي الحروب والاجتياحات المدمِّرة.
بدا الاهتمام واضحاً على وجه الرئيس، وتأثّر كثيراً ووضع هديتي على رفّ في وسط مكتبته وقال بأنه سيحفظها على الدوام.
لقد أثّر بي مدى اهتمامه بأعمالي الفنّية، ثم أكملتُ كلامي معه عن كفاءات السيد "إيداكي شين" وعن مشروعنا في تحقيق السلام العالمي.
بعد ذلك، اقترح علينا الاشتراك من ضمن فعاليات مهرجانات "صور" الدولية في صيف 2009، وقال: يتحقق السلام حين يتحقق الحوار المباشر بين الأفراد وعلى الخصوص بواسطة الشعر والموسيقى!

بعد اللقاء بدا البحر أكثر لمعاناً وبريقاً، وكنتُ مُمْتنّةً ومقدِّرةً جداً للفرصة التي أُتيحت لي أن التقي الرئيس "برّي"، فالحديث الذي دار بيننا وبشكل مباشر وعن قرب، كان أوضح واعمق بكثير من الرسائل التي تبادلناها سابقاً. إنه رجل بوزنٍ رؤيوي وشخصية كبيرة، أعطانا الكثير من الأمل بالمستقبل.

رسائل من أُمّنا الأرض

غداً ستُقام أمسيتنا الشعرية في مدينة "صور".
معتمدنا السيّد "محمود بوناس" الآتي من "طهران"، كان قد أخذ على عاتقه برمجة أشعاري المترجمة الى اللغة العربية، وذلك من الناحية التقنية على الكومبيوتر ليكون بثّها متوافقاً مع إلقائي لها باللغة اليابانية.
وكان أن حَدَثَت أمور سلبية قبل وأثناء وصولنا الى لبنان مما جعلنا أن نلغي الحفل "السولو" الذي كان مقرّراً للسيد "إيداكي شين" في الخامس من ديسمبر في إحدى كنائس مدينة "صور".
قال لنا الاستاذ "غازي" إن الحالة العامة في لبنان ليست على ما يرام، وبنفس الوقت شعرتُ بنوع من الإكتفاء بإقامة معرضي الفني الى جانب أربع امسيات.
قال السيد "إيداكي شين" بأن معرضي هو بمثابة خلق جديد لمدى مقدَّس. شعرتُ بحيوية فائقة على أرض لبنان التي تغذي بقوة وهدوء وصفاء، وتسطع بالنور الآتي من فضاء معرضي الفني.
كانت نشاطاتنا هي الجواب الايجابي على الحالة السلبية التي يمرّ بها لبنان، وظَهَرَ ذلك يوماً بعد يوم.

ومن جميل الصدف أن من نظَّمَ لنا لقاءنا مع الرئيس "برّي" كان شخصاً من بلدة "بنت جبيل"، هو الاستاذ "بلال شرارة" مسؤول العلاقات الخارجية في مجلس النواب اللبناني، وحَضَر أمسيتين لنا، وقال إن مركز ووسط "بنت جبيل" كان قد دُمِّر كليّاً جرَّاء القصف الاسرائيلي – تموز 2006، بعد أن سقط العديد من

الضحايا المدنيين، لذلك فإن أمسيتنا سنقيمها على منصَّة إحدى المدارس، حيث كان كل ما عداها من صالات مدمّراً.
وبحسب إعلام وزارة الخارجية اليابانية، فإن مدينة "صور" وبلدة "بنت جبيل" تعتبران مناطق خطرة ويُنصَح بعدم زيارتهما.
عندما وصلنا الى لبنان أعلمتُ السفارة اليابانية بمجيئنا وشرحت الهدف من زيارتنا للبنان، فنصحونا بأخذ الحيطة والحذر.
وهكذا، كنت ممتنّةً عند نهوضي من النوم كل صباح بأنني أحيا!
وعلى الرغم من الضجيج المعتاد والذي عرفته سابقاً والصادر عن حركة السيارات في الشارع العام حيث تطلّ غرفتي في الفندق، استطعتُ أن استشعر صلاةً داخلية مقدَّمة ومهداة لي من أرض لبنان.
إنني أعترف بأن "الموجود" الكبير فوق كل البشر كان على وشك إطلاق سلطة حمايته على نشاطاتنا، عندها ذَرَفْتُ دمعاً غزيراً كان بمثابة عرفان صادر من كل كياني بهذا الجميل.

أرضي الخصيبة

في الصباح رأيتُ بوضوح العمارات والأبنية المقابلة للفندق الذي نزلنا فيه، وكانت متهدِّمة، فيما نَخَرَ الرصاص جدران ما تبقّى منها. ورأيتُ عبر هذا الخراب تمثال الرئيس الشهيد "رفيق الحريري" عندما كنتُ أراقب الغيوم التي بدأت تشكِّل صورةً لطائر الفينيق الذي يرمز الى الولادة المستمرَّة وإلى القيامة بعد الموت التي تُنْبتها أرض لبنان، وذلك بعد أن يتخلّص البلد من كل تعقيدات ومشاكل الماضي متّجهاً حثيثاً الى المستقبل.
كَتَبَت الصحف اللبنانية عن امسيتي الشعرية الأولى، وكَتَبَ أحد النقّاد مديحاً عالياً لموسيقى السيد "إيداكي شين"، وممّا قاله: إن السيد "إيداكي" هو مؤلِّف موسيقي غير مسبوق، ولا أحد يوازيه، ومن الصعب نسيانه بعد هذا الحضور الرّائع من الارتجال في العزف...
وكتب ناقذ آخر مقارناً شعري بشعر إحدى الشاعرات الإيرانيات التي كانت قد توفيت في عمر الصبا، وبقيت ساكنة في قلوب الناس وخصوصاً الشباب.
بعد ظهر ذلك اليوم أحيينا أمسيتنا في مدينة "صور" ومنذ الليلة الفائتة، بدأت آلام ظهري تعاودني.
شعرت بقوى سلبية كثيفة تداهمني الى درجة عرفتُ فيها أن السيد "إيداكي شين" هو وحده – فقط – من يستطيع مساعدتي على تخطِّي هذا الوضع وذاك الحال. ركّز السيد "إيداكي" رؤاه على آلامي وقال لي بأنها كبيرة، ولأتخطّاها يلزمني أياماً عدّة!

عند ابتداء الأمسية لمحتُ بين المشاهدين رئيس بلدية مدينة "صور". حَيَّيته مشيرةً له بيدي، وبشكل عفوي صعد الى خشبة المسرح وعانقني معبّراً عن سروره وكذلك مستذكراً في نفس اللحظة خسارة العديد من الناس لحياتهم جرَّاء القصف الاسرائيلي وما تركه من آثار نفسية مدمّرةً وخسائر مادية هائلة.
كان الحفل أليفاً وحميمياً بامتياز، فالكل كان في قمّة التأثّر. تمالكت نفسي ووضعتها في "عامل المراحل الثلاث ما قبل الانفجار الكبير" مع رغبة الجميع: رئيس البلدية وجميع اهالي مدينة "صور" أن يتمكّنوا من الاتصال بذاك العالم القدسي المعلن.
وعندما شعرتُ بأن صوت "بيانو إيداكي"  قد تجلَّى وعبَّر كليّاً عمّا يجيش في الصدور والنفوس، صفَّق الجمهور الحاضر بحرارة ممّا جعلني أن أُصَفِّق أيضاً وبشكل لا إرادي.
وعندما وصلتُ الى قراءة القصيدة الأخيرة، التي كانت بعنوان "صور في القلب" ذَرَفَ الجميع الدموع مرّة ثانية وانتهى الحفل بشكل رائع مع استمرار التصفيق من دون توقف.

عالم الحياة

هذا الصباح فاجأني بحر بيروت، فظهر وكأنه يفصل الخير عن الشر.
تذكّرتُ ما قاله لي السيد رئيس بلدية مدينة "صور": لا يعني التاج شيئاً لملكٍ إذا لم يكن قلبه على اتصال بكلّ واحد من مماثليه.
ومن جديد زرتُ الموقع الأثري لمدينة "صور" حيث كنتُ قد وجدتُ هناك روح والدي. في تلك الفترة أحييتُ أمسية مؤثّرة.
شعرتُ بأنني متجدّدة وعلى اتصال ووصال بكل الحيوات في الطبيعة، وبكل الأحداث الدقيقة، وأنني أتقاسم معها كل شيء.
لقد وصلتُ الى العيش في فلك الحياة وأنا أعبِّد الدرب للسلام الكلّي.

الحياة عبر المراحل الثلاث ما قبل الانفجار الكبير

هذه المرة وقبل الأمسية الاخيرة لنا في لبنان، قال لنا السيد "إيداكي شين" بأن حفل الليلة سيبيِّن لنا خطوط تهاويل المستقبل الذي ننشده من أجل السلام، وهنا حيث نحن، هو المكان الذي وَقَعَت عليه الانتهاكات من حروب ودمار منذ سنتين.
وطوال الطريق من مدينة "صور" الى بلدة "بنت جبيل". شعرتُ من خلال النسائم وعبر الهضاب عَبَق السيد المسيح الذي قيل لي بأنه مرَّ من هنا!
كانت السماء زرقاء صافية، فتساءلتُ لماذا يتخاصم الناس هنا تحت هذه السماء الساحرة؟
في "بنت جبيل" أَوْلَم لنا السيد "بلال شرارة" في دارته، وتذوَّقت طعم المآكل اللبنانية البيتيّة الخاصة. كان استقبال أهل بيت السيد "بلال" لنا حميماً ودافئاً، وكانت تختفي وراء بَسَمَات مستقبلينا موجات من الأحزان الكبيرة.
خلال الحفل، تَلَقَّفَ السيد "إيداكي شين" تمنيات الناس وأحزانهم وحضنها وَوَحَّدها بحياته وغذّاها بحبٍ كبير.
شعرتُ بأن السيد المسيح قد صلَّى معهم مع صوت بيانو "إيداكي" كانت لحظةً رائعة للقاء بين كائن مقدّس وبين حياتي حيث أنها ألهَبَتْ روحي ونَشَرَت النور القدسي العميم.
قررتُ أن أحيا المراحل الثلاث قبل الانفجار الكبير، واستطعتُ أن أرى أخطائي بوضوح وأن أصحّحها من دون إبطاء، بحيث أركّز على الهدف الروحاني الكبير.

إنني اعترف أن ذلك هو الأمل الوحيد لتحقيقَ السلام الكلي الشامل. بعد تلك الأمسية، بَدَتْ السماء مرصّعة بالنجوم المبهرة وكأنها على وشك أن تبشّر بقدوم عصر الحياة الجديدة بكلّ تجليات إنسانيتها.
كان حفل ذاك المساء حَدَثاً لا يُنسى أبداً، وذلك لعمق سحره الداخلي وغنى لحظات التأمل التي نشرها.
في اليوم التالي، نهضتُ من النوم لأجد موجة التصفيق الجماهيري يتردّد في سمعي عند نهاية آخر معزوفة للسيد "إيداكي" فقد كان الجميع في قمة الحماسة والتأثر يصفقون بصخب يرافقهم صوت البيانو كواحد منهم.
لقد ظهر عالم المراحل الثلاث ما قبل الانفجار الكبير.
ذرفتُ دموع الفرح التي أشارت الى الأمل بمستقبل مشرق.
سيكون لنا لقاء آخر وأخير، وذلك قبل سفرنا، وأودّ هنا أن اعبّر عن خالص امتناني العميق لكلّ تجربة رائعة قمتُ بها على أرض لبنان.

في سبيل مجتمع هو المراد والمرتجى

يجب أن تتبدَّل بعض الاشياء في أمسياتنا وحفلاتنا في لبنان.
في الواقع فإن تجاربنا دقيقة وغنيّة. وأريد أن أعبِّر عن خالص امتناني العَميق من القلب الى الجميع، وأنا مكتفية وراضية ومصمّمة على أن أصل الى بلوغ مجتمع يحوطه الأمن والأمان الحقيقي، في الوقت الذي رجع فيه الجميع بالسلامة من لبنان الى اليابان، وهم تحت تأثير ذاك الضغط الذي تحدثتُ عنه.
قال لي السيد "إيداكي شين" بأنه كان متأثّراً جداً بالأداء الكبير لفريقنا، وذلك بالرغم من أن عدد الفريق – هذه المرّة – كان أقلّ من المرّات السابقة. كانت الحفلات في لبنان مملوءة بالتجارب الدقيقة والغنيّة، خصوصاً الأمسية الأخيرة في "بنت جبيل"  حيث شعرتُ بأنني وجدتُ المسيح من جديد.
النور الصافي للحياة المقدّسة كان قد ظهر، ولم يكن هناك أروع من هذه المشهدية، فلقد أحسستُ بأنني أؤدي جميلاً الى كل روح من أرواح الناس الأقدمين التي كانت متّحدة معنا وبنا لخلق مستقبل جديد. لقد كنا نعلم أنّ الضنى والتعاسة الداخلية هي المنعكسة على الحالة الخارجية لذواتنا، بدليل حين تكون قلوبنا مفعمة الى حدود الكمال بالحب، فإننا نستطيع أن نخلق مجتمعاً آمناً وحقيقياً.
وحدها الكائنات الحيّة المؤهّلة استطاعت أن تقوم بذلك في عالمنا الحالي.

 

الموقع بلغات أخرى: ياباني   انكليزي   اسباني   فرنسي      / اتصل بنا

                                                        © 2009 - Keikokoma All rights reserved                                                       by Banners Group